fbpx

آيار.. النكبة

رشيد حسن

ليس هناك من شهر في السنة.. أشد تشاؤما على الشعب الفلسطيني..واشد اثارة للحزن والاحباط، وأشد نكأ للجراح، والذكريات الاليمة.. ذكريات الفقد والحزن المقيم.. ذكريات النزوح واللجوء والتشرد، والموت في الطرقات في رابعة تموز، والغرق في عرض البحار، ولهيب الصحاري.. في المجاهل..من شهر أيار.. شهر نكبة النكبات.. أم النكبات.. نكبة 48.
وبمرور 72 عاما على اقتلاع شعب من ارضه، وهي جريمة كبرى، لا بل أكبر الجرائم، لم تتكرر في التاريخ.. ولم يشهدها التاريخ من فبل، ونجزم ايضا انه لن يشهدها من بعد….تتأكد جملة حقائق اهمها:
ان النكبة مستمرة، بتداعياتها، وارتدادها الخطيرة، كزلزال بقوة « 10» درجات على مقياس ريختر، فهذه النكبة لم تضرب فلسطين لوحدها، وتقتلع ىشعبها الضاربة جذوره في التاريخ، وصولا الى الكنعانيين قبل أكثر من «6» الاف عام ويزيد.. بل غيرت المنطقة كلها تغييرا جذريا، وزرعت فيها حربا لا تنتهي، ما دام العدو الصهيوني يحتل فلسطين ، قلب الوطن العربي، وهذه الحروب والتي بدأت وكأنها تنفجر كل عشر سنوات، تطورت، فاصبحت حروبا مستمرة، شاملة مع الشعب الفلسطيني الذي اختار المقاومة ورفض التسليم كعنوان للبقاء، ومع الامة كلها، لم تستثن احدا.. حروب قذرة.. باساليب وادوات قذرة، شنتها اسرائيل ، تدعمها وتساندها اميركا ومن لف لفها..
فاسرائيل أقيمت أصلا لخدمة المشروع الاستعماري الغربي، فلم تقم كوطن لليهود وحسب، بل حاملة طائرات مجهزة باحدث الاسلحة.. للانقضاض على الوطن العربي، لابقائه تحت الرحمة والهيمنة الغربية، يدور في فلك التبعية لواشنطن.
ومن هنا..مهمة العدو الصهيوني الاولى هي ضرب أية قوة عربية ناشئة تبشر بالوحدة، وتعمل على الخروج من مربع التبعية، وتاخذ زمام الاعتماد على الذات، والاخذ بالعلم كسبيل وحيد للبقاء، للدفاع عن نفسها، ووجودها وتحرير اوطانها…
فضربت مصر-عبدالناصر، وعراق-صدام حسين، ولاحقت علماء الذرة العرب في كل ارجاء المعمورة ، لانهم فكروا ذات يوم ان يكون للعرب قوة نووية قادرة على لجم الوحش النووي الصهيوني المرعب.
ثاني هذه الحقائق هي..
رغم اعتراف الدول العربية بالكيان الصهيوني الغاصب على 78 % من ارض فلسطين التاريخية، ورغم تقديم مبادرة سلام عربية، وافقت عليها قمة بيروت.. اذ تؤكد هذه المبارة ان الاعتراف مشروط باقامة دولة فلسطينية على الارض المحتلة عام 67 ،وعاصمتها القدس الشرقية، واخضاع حق العودة بموجب القرار»194» للتفاوض.. وهي سابقة خطيرة جدا، الا ان العدو رفض هذه المبادرة، ورفض هذا الاعتراف العربي المشروط، ورفض قبل ذلك «اوسلو».. والتي شكلت تنازلا فلسطبينا عن 78 % من ارض الاباء والاجداد، ورفض ويرفض كافة قرارات الشرعية الدولية التي تعترف بوجود الشعب الفلسطيني وحقه في تقرير المصير واقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، ويصر العدو على ان فلسطين كلها هي « ارض اسرائيل من الماء الى الماء « كما ينص قانون ما يسمى « بالقومية « الصهيوني، وتعتبر الشعب الفلسطيني مجرد اقلية تعيش على ارض اسرائيل، لا حق لها في اقامة دولة، ولا قي تقرير المصير، وانما في حكم ذاتي.. والبقاء عبيدا واقنانا في امبراطورية «نتنياهو».. كعبيد واقنان روما.
المفارقة المؤلمة..المحزنة هنا.. ان دولا عربية كافئت العدو على عدوانه المستمر على الشعب الفلسطيني، على عنجهيته وصلفه، وعلى حرب التطهير العرقي التي يشنها على هذا الشعب.. لتهويد القدس ونفيه من وطنه، ففتحت «اوتوستراد» التطبيع باوسع ابوابه.. ما يعتبر تشجيعا للعدو للاستمرار في عدوانه على الشعب الفلسطيني وعلى القدس والاقصى. ما اسهم في فوز «نتنياهو» ورموز الصهيونية الفاشية في الانتخابات الاخيرة.
ما طرح سؤالا استنكاريا كبيرا بحجم فلسطين كلها..
هل السبب وراء هذا الاندفاع نحو تل ابيب، هو قناعة البعض بان الدعم الاميركي لهم يمر عبر رضى تل ابيب.. وان اسرائيل لم تعد عدوا.. بل دولة جارة..!!
في اعتقادنا لو كان هذا صحيحا، فان هذه الانعطافة الخطيرة.. ستكون نتنائجها مدمرة على الجميع.. والرابح الوحيد هو العدو.
اما الحقيقة الثالثة..والتي تشي بها النكبة فهي ما جاء على لسان أهم وأشجع مؤرخ اسرائيلي «ايلان بابيه» وهو يكشف جرائم التطهير العرقي التي ارتكبتها العصابات الصهيونية عام 48، والتي اتخذها «ابن غوريون».. ونفذها مجلس عسكري من «12» ضابطا، وادت الى اقتلاع «800» الف فلسطيني من وطنهم، وتدمير «531» قرية و»11» حيا مدنيا.
«بابيه» في كتابه « التطهير العرقي في فلسطين» يشير الى «ان 86% من الشعب الاسرائيلي يؤيدون طرد الشعب الفلسطيني من وطنه».
وذلك عندما طرح السؤال الاهم في نهاية كتابه وهو: الى متى يستمر تقتيل الشعب الفلسطيني؟؟..
واخيرا..الحقيقة الاهم التي غابت عن الصهاينة ودهاقنتهم، وكبار ساستهم وجنرالاتهم، وادركها متأخرا رابين وشارون قبل هلاكهم هي :
ان المشروع الصهيوني مأزوم… وفي خطر.. ولن يتحقق ما دام الشعب الفلسطيني يرفع راية الصمود والمقاومة ويرفض المساومة.. ويقبل على الاستشهاد كطريق وحيد للبقاء وطرد الغزاة..
فشعب انتصر على الاقوام التي غزت فلسطين، سينتصر حتما على الصهاينة، انه شعب الجبارين كما وصفه الباري عز وجل.
فالطالمون لا يعمرون في فلسطين.. هذا ما علمنا التاريخ، وما «على اليهود الا ان يعودوا من حيث اتوا « كما قالت الصحفية الشجاعة توماس هيلين.
في ايار ننكأ الجرح والذكريات الاليمة التي لا تنتهي.
وفي ايار –النكبة.. نؤكد ان البوصلة التي لا تتجه الى فلسطين…
هي بوصلة مشبوهة..معطوبة..