نزاع بين متشرد وكلب جائع يدفع إيشورايا لإطعام ألف طفل لمدة عام...اعتقال 140 شخصاً من زفاف بالصين في عملية ضد المافيا....تمثال لطفل يثير انتباه زوار معرض بمانهاتن لظنهم أنه حقيقي..الدفاع المدني: ٦٧ اصابة حصيلة حوادث الخميس..ضبط ١١٥ عاملا وافدا مخالفا...عاصي الحلاني يشعل حفله بـ"الموسيقى العربية"...هاني شاكر يطرب جمهوره في "الموسيقى العربية"...ملف حقوق عمال "قطر 2022" يعود على طاولة "فيفا"...إيران.. الحرس الثوري يكثف اعتقالاته لمزدوجي الجنسية...جرحى من الجيش العراقي بانفجار في الأنبار...الناتو يحذر من تزايد العمليات الإرهابية لداعش بأوروبا...بريطانيا توافق على وضع "يوم الخروج" من الاتحاد الأوروبي في قانون...السقف الجديد للصواريخ الإيرانية... خدعة جديدة...المغرب يعزز تعاونه العسكري مع روسيا...التحالف يشن 4 غارات على كلية الطيران غربي صنعاء ||  
عدد التعليقات : 0
تاريخ النشر : title>

 

 

في كتابه الذي يحمل عنوان “الصديقة الحميمة ومخزن الأسرار: كوندوليزا رايس وابتداع ميراث بوش”، يلقي المراسل الدبلوماسي لصحيفة واشنطن بوست، جلين كيسلر، الضوء على شخصية واحدة من أقوى من شغلوا منصب وزارة الخارجية الأمريكية في السنوات الأخيرة. وفي غمار ذلك يكشف الكتاب جوانب كثيرة من نظام سياسة ادارة بوش الخارجية المثيرة للجدل.

 

 ويركز الكتاب بوجه خاص على الأخطاء التي ارتكبتها رايس كمستشارة للأمن القومي، وانهمكت في حلها كوزيرة للخارجية.

 مؤلف الكتاب، كما اسلفنا، هو جلين كيسلر، الحائز على العديد من الجوائز، والعضو في مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي.

 

 يتحدث المؤلف عن خصال رايس الشخصية، ويقول انها تميل الى الهجوم واستغلال نقطة الضعف عند الطرف الآخر بفطرتها. فهي عندما تظهر على الملأ وفي الأماكن العامة، تفيض دائماً بالجاذبية وسماحة الطبع.

 

ولكن تستطيع خلف الأبواب المغلقة ان تكون فظة ومباشرة، وتصدم الدبلوماسيين الأجانب فتدفعهم الى التحرك، لأنهم يفترضون ان كلامها يعكس وجهة نظر صديقها الحميم، رئيس الولايات المتحدة. ففي غضون شهور من تسلمها منصبها، ألغت زيارة الى مصر، وعلقت مؤقتاً معونة لها مقدارها 200 مليون دولار، لتوحي باستيائها من اعتقال سياسي مؤيد للإصلاح. كما ألغت زيارة الى كندا عندما رفضت هذه الدولة المشاركة في برنامج الدفاع الصاروخي الأمريكي.

 

معلمة بوش الخصوصية التي علمته مبادئ السياسة

 

ارتقت رايس ضمن فترة قصيرة بصورة ملحوظة من برجها العاجي الأكاديمي، الى مستشارة للرئيس. والآن، وبفضل مواهبها وصداقتها الوثيقة مع الرئيس بوش، برزت خلال ولاية بوش الثانية وزيرة قوية للخارجية، وقادت دفة مؤسسة السياسة الخارجية الأمريكية في واحدة من أخطر الفترات في تاريخ الولايات المتحدة، وفي زمن غلبت عليه التوترات الدولية والصراع والحرب.

 

وقد منحتها علاقتها الوثيقة بالرئيس وعدم وجود التزامات عائلية لديها، حرية كافية لتصبح أكثر وزراء الخارجية الأمريكيين سفراً منذ هنري كيسنجر، في تباين حاد مع سلفها كولن باول، أقل وزراء الخارجية الأمريكيين سفراً ضمن ثلاثة عقود. كما أنها استراتيجية، كما يقول المؤلف، في طريقة سفرها، حيث تتعمد تجاوز القائمة الطويلة للمؤتمرات المملة، التي تشكل لب الدبلوماسية الدولية، لكي تركز على الرحلات التي تستطيع ان تحقق فيها شيئاً مختلفاً، ضمن ما تدعوه “الدبلوماسية التحويلية”.

 

ولكن خياراتها والفرص المتاحة أمامها كوزيرة للخارجية محكومة بحقيقة يكتنفها التناقض العميق: وهي انها كانت أضعف مستشاري الأمن القومي في تاريخ الولايات المتحدة.

 

فقد صاغ افتقارها الى الخبرة، وأخطاؤها في ذلك المنصب شكل العالم، وصبغت بلونها الخيارات التي يجب عليها ان تتعامل معها كوزيرة للخارجية. وكان غزو العراق، والفرص الضائعة مع ايران، والصدع في العلاقات مع أوروبا، والبروز النووي المفاجئ لكوريا الشمالية، وإنشاء سجون وكالة الاستخبارات المركزية السرية في أوروبا، والسخط العربي ازاء التحيز الأمريكي ضد الفلسطينيين، كل هذه المشاكل كانت النتيجة المباشرة لقرارات ساعدت رايس على اتخاذها في البيت الأبيض. والآن، بعد ان أصبحت وزيرة للخارجية، حاولت بقوة، وبنجاح محدود، ان تحل العقد المستحكمة التي أبرمتها بيديها أثناء فترة ولاية بوش الأولى.

 

ويضيف المؤلف قائلاً، ان رايس ليس لديها الكثير من الأوهام بشأن فقدان الولايات المحدة للاحترام في جميع أنحاء العالم. ولكنها تعتقد بأن الأخطاء التي ارتكبتها ادارة بوش سوف تُنسى، ما دامت الصورة الكلية، مثل تحويل الشرق الأوسط، تعتبر مقبولة لدى المؤرخين.

 

ويركز هذا الكتاب، كما يقول المؤلف، على أول سنتين قضتهما رايس وزيرة للخارجية، وهي تحاول الخروج من المشاكل التي خُلقت أثناء فترة ولاية بوش الأولى.

 

ففي خلال تلك الفترة كان يتنازع السياسة الخارجية الأمريكية موضوعان، يحددهما “الواقعيون” بزعامة وزير الخارجية السابق كولن باول، الذي كان يسعى الى وفاق براجماتي مع العالم حول أهداف مشتركة، و”المحافظون الجدد” في البنتاجون ومكتب نائب الرئيس ديك تشيني، الذين كان لهم تصورات كبرى عن اعادة صياغة العالم، حتى ولو كان معنى ذلك تحدي الحلفاء.

 

 وفي فترة ولاية بوش الثانية، ابتدعت رايس استراتيجية تحاول فعل المستحيل، وتهدف رايس إلى قيادة دفة السياسة الخارجية الأمريكية بحيث تتاح لأهداف بوش فرص أفضل للنجاح. وهي تخوض في حقيقة الأمر سباقاً محموماً لإنقاذ ميراث الرئيس بوش على صعيد السياسة الخارجية، وانقاذ ارثها. ولكن المشاكل التي أسهمت في خلقها في ولاية بوش الأولى تكاد تكون مستعصية.

 

كانت كوندوليزا رايس المعلمة الخصوصية لبوش التي تدرّسه السياسة الخارجية في حملة سنة 2000 الانتخابية، وفي بداية ولايته الأولى، وكانت تحرص كل الحرص على ألا يتعثر هذا المبتدئ في عالم السياسة الخارجية. وفي سنة 2006 ذكرت رايس ان بوش أصبح “مطلعاً بعمق على هذه القضايا، على نحو لم يكن موجوداً عندما تسلم منصبه”.

 

وقد أمضت ساعات لا تعد ولا تحصى الى جانب الرئيس، في البيت الأبيض، وفي كامب ديفيد، وفي مزرعته في كروفورد، تكساس، حيث انشأت معه رابطة تجاوزت المنصب التقليدي لمستشار الأمن القومي. كما أصبحت رايس أيضاً مقربة من السيدة الأولى، لورا بوش، التي كانت تغدق المديح على رايس وتعتبرها رئيسة محتملة.

 

وقد اعتاد مسؤولو البيت الأبيض الآخرون ان يشاهدوا بوش ورايس، وكأنهما في مسرحية هزلية، وهما يناقشان الاجتماعات المقبلة مع الزعماء الأجانب. فكان الرئيس يصبح مشاكساً، ويسأل لماذا عليه ان يحضر ذلك الاجتماع، فتقوم رايس بشرح أهمية الاجتماع بصبر وأناة.

 وبعد ذلك، عندما يقترح قول شيء غير دبلوماسي، ترد رايس بأناة قائلة انه يمكن ان يقول ذلك، ولكنه قد يخلق مشكلة. وينفس بوش عن استيائه قليلاً، ولكن رايس تحتفظ بهدوئها. وفي نهاية الأمر، يهز كتفيه، ويقول بلهجة شبه مازحة، “الآنسة رايس لن تسمح لي بفعل ذلك”.

 

أما الآن، فقد أصبح التلميذ هو المعلم، ولدهشة الكثيرين ممن عرفوها قبل ان تعمل لدى جورج دبليو بوش، تبنت رايس، بصورة شاملة تقريباً، ايمان بوش الأخلاقي وشبه الديني بسلطة الحرية والديمقراطية. ويقول معاونو بوش، انه هو الذي يحث رايس لتكون أكثر صراحةً، وأشد مجازفةً، أي على النقيض تماماً من العلاقة بين والد بوش ووزير خارجيته جيمس بيكر. وبوش هو الذي يبدو الآن صاحب الأفكار العظيمة، بينما كان دور رايس، وبخاصة في ولاية بوش الأولى، هو توفير الأساس الفكري والثقافي لتفكير الرئيس.

 

وبينما كانت رايس هي معلمة بوش، كان افتقارها الى الخبرة في منصبها كمستشارة للأمن القومي بادياً للعيان.

 فلم يكن لها سابق معرفة بحبك الاستراتيجيات الكبرى مثل كيسنجر أو زبجنيو بريجنسكي.

وكانت مجرد معلمة محبوبة تدرس مادة العلوم السياسية المقارنة، وخبيرة أكاديمية بالجيش في حلف وارسو الذي أصبح في ذمة الماضي الآن. ويضاف الى ذلك ان خبرتها في الحكومة الفيدرالية كانت مقتصرة على زمالة قصيرة في رئاسة الأركان المشتركة، ومهمة لمدة سنتين كمساعدة ذات مستوى متوسط في مجلس الأمن القومي. وتتألف خبرتها ذات المستوى الرفيع من ست سنوات كرئيسة عليا لجامعة ستانفورد، وهو منصب مهم، وبخاصة في قضايا الميزانية، ولكنه منصب لا يشمل سوى عدد قليل من الموظفين، ولا يتضمن وضع استراتيجية عريضة للجامعة.

 

وحتى هذا اليوم، لا تزال هذه النواقص في خلفيتها واضحة، حيث يقول معاونوها وزملاؤها، انها ليست جيدة في التنفيذ أو متابعة المشاكل. ولديها فطرة سليمة وتستطيع السيطرة على تفاصيل المشكلة القائمة برباطة جأش.

 ولكنها تفقد التركيز بعد ان تمر الأزمة، ولا تتحقق دائماً مما اذا كان الحل الذي توصلت اليه يجري تطبيقه بصورة ملائمة.

 

ويتابع المؤلف قائلاً، ان رايس عندما كانت تجلس في حجرة تنظيم الأوضاع في البيت الأبيض خلال ولاية بوش الأول، كانت تنظر الى وزير خارجية كان قد عمل رئيساً لهيئة الأركان المشتركة وشغل المنصب، الذي تشغله الآن، قبل ست عشرة سنة (وهو كولن باول)، ووزير دفاع سبق ان كان عضواً في الكونجرس، ورئيس هيئة المساعدين في البيت الأبيض، ووزير دفاع (وهو دونالد رامسفيلد)، ونائب رئيس كان الزعيم الجمهوري رقم اثنين في مجلس النواب، ورئيس هيئة المساعدين في البيت الأبيض، ووزير دفاع (وهو ديك تشيني) كما سبق ان كان تشيني ورامسفيلد كذلك أكبر مديرين في شركات فورتشين 500. وسبق للثلاثة جميعاً ان فكروا في الترشح للرئاسة.

 

أما كوندوليزا رايس، فقد كانت في الظل حين كانت مستشارة للأمن القومي. وكان ذلك لأسباب منها نهج بوش في الحكم، الذي هو نهج رئيس شركة كبرى، والذي يتولى الوزراء بموجبه أدوار ضباط الجيش ذوي المأمورية المحدودة.

 

فوزير الخارجية مسؤول عن الدبلوماسية، ووزير الدفاع مسؤول عن الحرب، بينما هيئة موظفي البيت الأبيض مجرد هيئة موظفين. وقد روى وزرير الخزانة السابق بول أونيل، كيف أمر بوش رئيس هيئة المساعدين في البيت الأبيض أندرو كارد، أثناء أحد الاجتماعات المهمة، ان يخرج من الاجتماع ويدبر له شطيرة لحم بقر بالجبن.

 

وضمن هذا الدور، كثيراً ما كانت رايس تعجز عن حل الخصومات الايديولوجية الشرسة داخل الإدارة. وعلى النقيض من رامسفيلد أو تشيني، لم تكن قد اجتذبت فيالق من المعجبين أو الزملاء المبثوثين خلال الحكومة ويتوقون الى تحقيق أهداف. وباستثناء نفر قليل من الزملاء السابقين من ستانفورد، كانت وحيدة بصورة جوهرية.

 

وخلال سنواتها في البيت الأبيض، كانت رايس حريصة على ان تكشف نواياها بشأن توصياتها المتعلقة بالسياسة.

 وغالباً ما يستعمل الناس الذين كانوا يعملون لدى رايس حين كانت مستشارة للأمن القومي التعبير ذاته لوصف طبيعة علاقتها مع بوش، وهو “صندوق رايس  بوش الأسود”. فكانت تمضي مع بوش خلف أبواب مغلقة، فتقف الى جانب مكتبه وهو جالس، ثم تخرج بإعلان يقول ان الرئيس قد اتخذ قراراً.

 

 غير انه كان من المستحيل ان يعرف المرء ان كانت الفكرة قد صدرت عن بوش او رايس.

 وكان تطبيق هذه الأفكار مشكلة عويصة. فعندما كانت مستشارة للأمن القومي، كانت القرارات تتخذ ولكنها لا تنفذ، أو ان القرارات كانت تؤجل ولا تجد طريقها الى التنفيذ. وكانت القرارات كذلك تغير أو تحول الى عكسها، وكان المستشارون المتشاحنون يتجرأون على ان يستمروا في توكيد آرائهم وقضاياهم أو حتى يتجاهلوا ارشادات السياسة على أمل تحقيق نصر نهائي. وكانت غالباً ما تحاول ان تدمج اساليب غير متوافقة معاً مما يؤدي الى فشلها فيما بعد.

 

 وعلى سبيل المثال، حاولت استراتيجية الأمن القومي التي وضعتها الإدارة سنة 2002 ان تزاوج بين الواقعية وحركة المحافظين الجدد عندما أكدت على نحو غريب ان الادارة كانت تنشد “توازناً في السلطة لمصلحة الحرية الانسانية”.

 

وتسلّم رايس في أوساطها الخاصة، بأن الآخرين كانوا أفضل منها في منصب مستشار الأمن القومي بمن فيهم خلفها ستيفن هادلي. أما الآن، فإن لرايس مكانة مرموقة وهي تجعل صوتها معروفاً ومتميزاً، وتحظى بدعم رئيس يثق بها كمستشارة، وصديقة، وعضو في العائلة.

 

 لقد تحررت حين غدت وزيرة للخارجية، والقت عن كاهلها عبئاً ثقيلاً. وقد حددت لنفسها نبرة جديدة في وقت مبكر من توليها لمنصبها. فبعد ثلاثة أسابيع من ذلك استضافت وزير الدفاع رامسفيلد ونظيريهما اليابانيين في وزارة الخارجية. وعندما شرع رامسفيلد في الحديث أوقفته رايس بلطف.

 

 وكانت الرسالة واضحة: أنا سأتولى قيادة دفة الحديث. وقد خلفت تلك اللطمة الحاسمة انطباعاً عميقاً في نفوس المسؤولين الأمريكيين واليابانيين في الحجرة.

 

ويرى المؤلف ان رايس كانت محظوظة لأنها أصبحت وزيرة للخارجية في اللحظة التي بدأ فيها نفوذ رامسفيلد وتشيني ينحسر. فقد أمض كلا الرجلين كولن باول أثناء فترة ولاية بوش الأولى، مع ان رايس كانت تعتقد بأن باول كان كثير التشكي بشأن خساراته بدلاً من التغني بانتصاراته. أما الآن، في فترة ولاية بوش الثانية، فقد غدا رامسفيلد عالقاً في أوحال الحرب في العراق.

 

 وكان لرئيس هيئة مساعدي تشيني، لويس “سكوتر” ليبي، أهمية حاسمة في نفوذ تشيني على السياسة الأمريكية الخارجية، ولكن اهتمام ليبي تشتت بفعل تحقيق جنائي أدى في النهاية الى إدانته ورحيله عن الإدارة. وكان ذلك ضربة قوية لتشيني.

 

ولكن أهم ما أعان رايس على النجاح أكثر من أي شيء آخر، هو الدعم الذي لا يكل، من قبل الرئيس بوش. فلم يكن كولن باول يتمتع بثقة الرئيس، ولذلك لم يكن المسؤولون الأجانب على يقين مما إذا كان باول يروج السياسة الأمريكية حقاً، أم انه يبحث عن حلفاء له في معاركه التي يخوضها من أجل تطبيق س

ياسته هو. كما ان رايس دبلوماسية أمهر في التعامل بين شخصين من باول، الذي لم يكن لائقاً للقيام بمهمته، ولم يبد أبداً انه يفهم حرفة الدبلوماسية. وفي ما وراء البحار، كان باول يعتمد بشدة على المادة التي يعدها له المحترفون في وزارة الخارجية. أما رايس فكانت تجمع في طائرتها التابعة لسلاح الجو، أقرب أعوانها في قمرتها الخاصة، وتطلق ما يرقى الى حلقة نقاش جامعي حر حول القضايا التي ستواجهها في رحلتها. وكانت بوجه عام لا تستعمل التلخيصات التي يعدها موظفون أدنى مستوى في وزارة الخارجية، الا كمادة مرجعية، تتيح لها أن تصوغ رسالتها لتلبي احتياجات اللحظة.

 

ويمضي المؤلف في المقارنة بين رايس وكولن باول كوزيرة ووزيرة للخارجية، فيقول ان العديد من الدبلوماسيين يقولون ان باول كان، حتى عند غضبه، يظل حليماً في محادثاته، وذلك يتباين مع أسلوب رايس الذي يتسم بالجلافة المحسوبة. وينقل المؤلف قول السفير الألماني في واشنطن، وولفجانج ايشنجر،

الذي خبر أعماق العلاقة الأمريكية  الألمانية بعد الخلاف بشأن العراق، “لأن رايس ذات أسلوب أخاذ، ولأنها حسنة السلوك بطبيعتها، تكون مؤثرة بوجه خاص حين تحاول ان تكون اكثر حدة، ولا يمكن ان تترك انطباعاً بأنها شخص غير مهذب، مثلما يحدث مع كثير من الرجال. وعندما تكون جادة ومهتمة فعلاً، تعطي انطباعاً قوياً بوجه خاص”.

 

ويتابع المؤلف رسم بعض الملامح الشخصية لرايس، فيقول ان الموظفين العاملين معها قد لاحظوا دلائل دقيقة تشير الى مزاجها. فعندما تكون غاضبة تبدأ بحك احدى يديها، وتمسح على وجهها بأحد أصابعها عندما تكون مرهقة ولا تريد عقد اجتماع طويل آخر. ولكن مشاعرها تكون في بعض الأحيان فجة وسطحية مباشرة. فالأصدقاء والأعوان والدبلوماسيون، يتحدثون بارتياع عن “تلك النظرة”، ملامح رايس الغاضبة عندما تشعر بأنها قد ظلمت أو أسيء إليها.. تضيق عيناها، ويتقلص وجهها، ويشتد ذقنها، ولا تحول نظرها بعيداً، بل تحملق بتركيز.

 

وقد شهد كويت بلاكر، الاستاذ في جامعة ستانفورد، وأقرب أصدقاء رايس الذكور مناسبات أظهرت فيها رايس تلك التكشيرة التي تحمل السم الناقع، حتى انه كان يشعر بالرثاء لحال الطرف الذي تعامله رايس تلك المعاملة. فذات مرة، عندما كانت رايس تتسوق في بعض محلات المجوهرات، طلبت ان ترى بعض الأقراط، فقدمت موظفة المحل إليها مجوهرات رخيصة مما تتحلى به النساء مع الأزياء الدارجة. فقالت رايس انها ترغب في رؤية أشياء أفضل. وعندما استجابت الموظفة بسلبية، وتمتمت بكلام ظنت أن رايس لم تسمعه، قالت لها رايس بقسوة مدمرة: “سأقول لك شيئاً بطريقة صريحة ومباشرة. انك وراء الكاونتر (منضدة الحساب) لأنك مضطرة الى ان تعملي لتنالي الحد الأدنى من الأجور. وأنا على هذا الجانب من النضد، أطلب أن أرى المجوهرات الجيدة لأني أكسب من المال أكثر منك بكثير”. عند ذلك أسرع مدير المحل ليحضر لها المجوهرات الثمينة.

 

بوش يتحدث عن "دولة فلسطينية" ولا يعمل شيئاً لتحقيقها

 

يتحدث المؤلف عن جهود كوندوليزا رايس في مجال القضية الفلسطينية، أو ما أصبح يعرف باسم الصراع الفلسطيني - “الإسرائيلي”، فيقول: إن وعد بوش لرايس بأنه راغب في مؤازرة جهد قوي لخلق دولة فلسطينية خلال فترة ولايته الثانية، كان أحد الأسباب الرئيسية التي جعلت رايس توافق على أن تصبح وزيرة للخارجية.

 

ولكن من المفارقات الغريبة، أن هدف حل الصراع الفلسطيني - “الاسرائيلي” نهائياً يبدو الآن أبعد عن التحقيق من أي وقت مضى، وذلك لأسباب منها، القرارات التي كانت رايس والرئيس قد اتخذاها في ولاية بوش الأولى، ومنذ تولي رايس منصب وزيرة الخارجية.

 

ويقول المؤلف، إن من غير العدل، إلى حدّ ما، إلقاء اللوم على عاتق المسؤولين الأمريكيين، في مسألة اخفاقات “الاسرائيليين” والفلسطينيين ولكن الولايات المتحدة تلعب دوراً حاسماً في إدارة الصراع. فقد نأت الإدارة الأمريكية بنفسها عنه في لحظات حرجة، وكانت تبدو غالباً منحازة بقوة إلى جانب “إسرائيل”، مما يخلف غضباً شديداً في الوطن العربي حيال السياسة الأمريكية، وكان هدف الإدارة المعلن هو بناء مؤسسات فلسطينية والتخلص من الزعماء ذوي الروابط الإرهابية. ومع ذلك، ونتيجة للسياسات الأمريكية، فازت حركة “حماس” في الانتخابات التشريعية، وباتت السلطة الفلسطينية هيكلاً خاوياً على شفا الانهيار.

ويتابع المؤلف قائلاً، إن بوش حينما جاء إلى السلطة كان شديد الارتياب في انهماك الرئيس كلينتون في عملية السلام، فقد كافح كلينتون في سبيل تحقيق اتفاق سلام في الأيام الأخيرة من رئاسته، ولكن العملية انهارت.

 

ولم يبد بوش سوى القليل من الاهتمام بتفاصيل النزاعات المعقدة في المنطقة وكان حذراً من التدخل بعمق في عملية المفاوضات، وكان يبدي في غالب الأحيان رد فعل سلبياً شديداً عندما يحاول المسؤولون الأمريكيون الغوص عميقاً في موضوعات مثل الحدود النهائية ل “إسرائيل” والدولة الفلسطينية ووضعية مدينة القدس - وهي القضايا المركزية في الصراع، وقد ناقش كلينتون في أواخر فترة ولايته تلك المسائل مطولاً مع “الاسرائيليين” والفلسطينيين، ولكن بوش كان يستبعدها معتبراً إياها “كل تلك القضايا القديمة”، وفي تعليقاته التي كانت تصدم معاونيه لفرط سذاجتها، كان بوش يقول إن “الاسرائيليين” يبددون وقتهم وأموالهم على توسيع المستوطنات في الضفة الغربية لأن هذه المشاريع في نهاية الأمر سوف تصبح من أمور تطوير السكان الفلسطينيين.

 

وكانت نتيجة ذلك، كما يقول المؤلف، إن بوش كان يطلق التصريحات، مثل اعلانه في خطاب في هيئة الأمم المتحدة بعد هجمات 11 سبتمبر/ايلول انه يؤمن بهدف اقامة دولة فلسطينية، ولكنه لم يكن يطرح أي مسار حقيقي لتحقيق ذلك المردود.

 

ويمضي المؤلف قائلاً إن ادارة بوش اتبعت اثناء فترة ولايته الأولى نمط الارتباط وعدم الارتباط، حيث تطلق دفقة من الحديث العلني عن مبادرات جديدة أو مبعوثين خاصين، يتبعها ركود سياسي وعدم رغبة في الضغط على اي طرف، وخاصة “الاسرائيليين”، لاتخاذ خطوات واسعة نحو التحسن، وفي النهاية تخلد الجهود إلى حالة سُبات، قد يستغرق شهوراً في بعض الأحيان، إلى أن يتم ابتداع نهج جديد. ويقول المؤلف إن كلينتون كان يعمل بوضوح على انشاء دولة فلسطينية وقد قال ذلك في أواخر أيامه في الرئاسة، أما بوش فقد وضع الطقوس الدبلوماسية جانباً وأعلن بصراحة ان سياسة الولايات المتحدة هي انه ينبغي اقامة دولة فلسطينية، ولكن هنالك فرقاً شاسعاً، كما يقول المؤلف، بين مجرد اصدار اعلان، وبين العمل على تحقيقه فعلاً.

 

كما أن علاقات بوش الشخصية مع زعماء الشرق الأوسط أثرت في أسلوبه، فقد أصبح بسرعة يكره الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات، الذي كان كلينتون قد دعاه عدة مرات إلى البيت الأبيض.

 

وفي هذه الأثناء كان بوش يعتبر رئيس الوزراء “الاسرائيلي” ارييل شارون توأم روحه في الحرب على الارهاب، وقد دعا بوش شارون بوصفه “رجل السلام” سنة ،2002 مما أثار غضب العرب إزاء غارات الجيش “الاسرائيلي” ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية، وقد تزايد اعتماد الإدارة الأمريكية على أفكار شارون وتصوراته في ارشاد سياستها.

 

وبعد زيارة للمنطقة في مارس/آذار ،2002 استنتج نائب الرئيس ديك تشيني انه يستحيل تحقيق السلام ما دام ياسر عرفات في السلطة، وكان يشعر بأن التعامل مع عرفات لا ينسجم مع حرب الإدارة ضد الارهاب، واصبح رأي تشيني مبدأ مركزياً في خطبة ألقاها الرئيس في 24 يونيو/حزيران من تلك السنة، واعلن فيها قطع العلاقات مع عرفات وتصوره لقيام دولة فلسطينية في سنة 2005 اذا اقام الفلسطينيون كياناً ديمقراطياً وأوقفوا الهجمات على “اسرائيل”. وكما بدا في كثير من الأحيان، شعر باول بأن هذا التحول صفعة له، فقبل اسبوعين فقط، كان قد تحدث عن عقد مؤتمر دولي يضم جميع الأطراف، ومن بينهم عرفات.

 

ويقول المؤلف، إن بوش كان قد قال للعاهل الأردني الملك عبدالله سراً، إن عرفات “خاسر” وانا لن انفق رأسمالي السياسي على الخاسرين، بل على الرابحين فقط. وأنا ما زلت في مزاج حرب، وهذه الحرب هي ضد الارهاب، واذا لم يكن الناس يحاربون الارهاب، فلن اتعامل معهم”.

 

وكان الدبلوماسيون الأوروبيون، والعرب والأمم المتحدة يعتقدون بأن عزل عرفات خطأ فادح. وفي رأيهم ان عرفات - بكل عيوبه - هو  الزعيم الفلسطيني الوحيد الذي يملك سلطة كافية لعقد صفقة دائمة مع “اسرائيل”.

 

وقد أوقف قرار بوش عزل عرفات، السياسة الأمريكية عدة شهور، لأنه لم يكن لدى الطرف الفلسطيني زعماء يستطيعون لقاء كبار المسؤولين الأمريكيين، كما يقول المؤلف.

 

ويضيف المؤلف، إن شارون ظل على مدى ربع قرن يحتج بشدة على عقد صفقات مع من يعتبرهم ارهابيّين، ولذلك كان خطاب بوش احدى اهم اللحظات في حياته، فقد قال كبير معاونيه، وصديقه العريق دوف فايسجلاس، “إن الأمر كان بالنسبة إلى شارون مثل مجيء المسيح المخلّص” وكان دوف يشاهد خطاب بوش مع شارون على شاشة شبكة “سي. ان. ان” ويعلق على تلك اللحظة قائلاً: “طوال كل السنوات التي عرفت شارون فيها، لم أره قط بمثل هذا القدر من السعادة والانفعال، لقد كان الأمر بالنسبة إليه مثل رؤيا تحققت”.

 

وينقل المؤلف عن كولن باول قوله إن كوندوليزا رايس كانت عائقاً يعترض اي جهد يبذله في سبيل احراز اي تقدم في الشرق الأوسط اثناء ولاية بوش الأولى، ففي سنة 2001 هاتفته منفعلة لتقول له إن بوش “يتساءل عما إذا كنت مضطراً إلى إلقاء” خطاب عن الصراع “الاسرائيلي” - الفلسطيني، وعندما أمر باول سنة 2002 بالقيام بزيارة إلى الشرق الأوسط تستغرق عشرة أيام اثناء اندلاع أسوأ موجات العنف، ظلت رايس تتصل به هاتفياً باستمرار، بينما كان في الطريق، حيث كانت “تحذيراتها في بعض الأحيان تبلغ حدّ التوبيخ.. وهي قلقة من ان يمضي باول إلى ابعد من اللازم، وتخبره بأن يتوقف”.

 

ويقول المؤلف، إن رايس، في حقيقة الأمر، كانت تضطلع سراً بمعالجة الشأن “الاسرائيلي” - الفلسطيني سنة ،2002 وتقيم رابطة مباشرة مع شارون من خلال فايسجلاس من أجل معالجة دقائق هذه السياسة، وخلال ما تبقى من ولاية بوش الأولى، غدت وزارة خارجية باول غير ذات صلة بالعلاقات الأمريكية - “الاسرائيلية”، لأن رايس وفايسجلاس كانا يتعاملان معاً بصورة مباشرة بأمر من بوش وشارون.

 

ويتذكر فايسجلاس بوضوح، كما يقول المؤلف، أن رايس قد واجهته في سبتمبر/أيلول، عندما حاصرت الدبابات “الاسرائيلية” عرفات في مقرّ حكومته في مبنى المقاطعة في رام الله، وظل عرفات محاصراً على مدى عشرة أيام والقوات “الاسرائيلية” تدمر معظم المبنى بصورة منتظمة. وقد طار فايسجلاس إلى واشنطن وفي جعبته دفاع عن أعمال “اسرائيل” يستغرق خمساً واربعين دقيقة، وكان قد صيغ بعناية مع شارون، ولكن رايس أوقفته بعد عشر دقائق فقط.

 

ويقول فايسجلاس الذي يدعو رايس “ساحرة في فن اللغة”، انها لم تصرخ، بل أشارت بوضوح الى أن الإدارة الأمريكية كانت في وضع حساس مع العالم العربي وهي تحضّر للذهاب الى الحرب مع العراق.

قالت رايس “إن هذا الجهد (تقصد حرب العراق) إذا حدث، فسيكون انفراجاً استراتيجياً بالنسبة الى “إسرائيل”.. وهو أهم من عرفات. وما تفعلونه الآن يعيق ذلك الجهد”. وقالت إن بوش ربما كان أعظم أصدقاء “إسرائيل” منذ إنشائها، وها هي “إسرائيل” الآن تخلق له مشكلة.

 

وأضافت رايس: “إن الولايات المتحدة لن تعيقكم عن فعل أي عمل ضروري لحماية شعبكم ووقف الإرهاب، حتى إن كان يحدث ضمن أسوأ سياق سياسي”. وأضافت قائلة: “أما الآن، فإن الوضع ليس على هذا النحو، وعرفات ليس قنبلة توشك أن تنفجر. وأنا أعتبره غير مهم”. وكان فايسجلاس يرى أنها منزعجة. قال “حسناً، لقد فهمت”. وخرج واتصل بشارون عبر هاتفه المتحرك. وفي اليوم التالي قرر شارون إنهاء حصار مبنى المقاطعة.

 

وعندما ألقى بوش خطابه في 24 يونيو/ حزيران، لم تكن الإدارة قد وضعت خطة مفصلة لتطبيق تصور الرئيس، على الأغلب بسبب اعتراضات “الإسرائيليين” الذين كانوا يستشارون بعناية بشأن ملاحظات الرئيس. ولم تؤيد إدارة بوش “خارطة الطريق” إلا بضغط من العرب والزعماء الأوروبيين. وخارطة الطريق، خطة سلام قائمة “على أساس الأداء” وتتكون من ثلاث مراحل، وقد وضع مسودتها دبلوماسيون من الاتحاد الأوروبي وروسيا والأمم المتحدة وهي الأطراف التي شكلت مع الولايات المتحدة مجموعة دبلوماسية تعرف باسم اللجنة الرباعية. وقد أبقت النقاشات الداخلية ضمن الإدارة الأمريكية خطة خارطة الطريق حبيسة الأدراج على مدى شهور، ولم تظهر الى النور إلا عشية حرب العراق بعد تدخل شخصي من رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير.

 

وفي يونيو/ حزيران 2003 عقد بوش مؤتمري قمة متعاقبين في شرم الشيخ بمصر، وفي العقبة في الأردن، ليدشن عملية خارطة الطريق. وكان عرفات قد رضخ للضغط من أجل استحداث منصب رئيس الوزراء، الأمر الذي خفف من سلطته نظرياً. وقد اختير محمود عباس، معاون عرفات لفترة طويلة، الذي يمقت العنف، ليشغل هذا المنصب، وقد رحب به بوش كوجه جديد للقيادة الفلسطينية. كما أعلن بوش أن رايس، التي كانت يومئذ مستشارة الأمن القومي، سوف تلعب دوراً بارزاً في تطبيق خارطة الطريق. وعيّن بوش مبعوثاً خاصاً، هو جون وولف، ليراقب التقدم بشأن خطة السلام.

 

ولكن رايس لم تقم إلا برحلة واحدة الى المنطقة، بعد شهر، وبسرعة شديدة تصدعت العملية. وبحلول شهر سبتمبر/ أيلول كان عباس قد انسحب مدعياً أن الأمريكيين و”الإسرائيليين” لم يساندوه بصورة تامة، وكانت خارطة الطريق قد ماتت بعد شهور فقط من إطلاقها.

 

ويتابع المؤلف الحديث عن رايس وخطة خارطة الطريق فيقول إن رايس مع انهيار خطة السلام، كانت قد أجرت محادثة سرية مع فايسجلاس. قالت له: “إن خارطة الطريق، هي في أحسن الأحوال خطة ثانوية. إنها لا تعمل”.

 

وقالت إنها طالما ظلت تشغل منصبها، فإن إدارة بوش سوف تدعم العملية، التي تلقي بالمسؤولية على عاتق الفلسطينيين لكي يُنهوا الإرهاب أولاً”.

 

وكان الأوروبيون كذلك يضغطون من أجل وقف عملية السلام التي تجري بصورة متقطعة، والقفز على الفور الى مفاوضات الوضع النهائي. وقالت رايس لفايسجلاس أن يعود الى بلده ويفكر بما سمته “حركة مهمة”  أي بشيء يؤدي الى استعادة المبادرة ويساعد الولايات المتحدة في أن تقول: “انظروا الى ما فعلته “إسرائيل”؛ والآن على الفلسطينيين أن يفعلوا شيئاً ما”.

 

وبنهاية العام، وبناء على توصية فايسجلاس، يطرح شارون مناورة جديدة: ففي غياب أي شريك فلسطيني، كما يقول، سوف ينفذ انسحاباً من جانب واحد من مستوطنات يهودية في قطاع غزة، الذي يشكل أساساً حياً للفقراء الفلسطينيين ينحشر فيه 1،3 مليون فلسطيني داخل شريط ساحلي ضيق. وكانت المستوطنات الإحدى والعشرون، والمناطق التي يسيطر عليها الجيش “الإسرائيلي” تشكل 20% من قطاع غزة، وتشتمل على معظم أراضيه الخصبة وكل شاطئه الجنوبي.

 

وقد قدر شارون بدهاء، ان بوش ورايس، وبسبب المعارضة الأمريكية القائمة منذ زمن طويل للمستوطنات “الاسرائيلية”، سوف يدعمان بنشاط خطته في غزة، التي اطلق عليها اسم “فك الاشتباك” ولكن رايس كذلك كان لها دور سرّي في الفكرة، كما يقول المؤلف، إذ دفعت “الاسرائيليين” إلى أن يفكروا بجرأة وصراحة. وفي الأساس، عاد فايسجلاس باقتراح بالانسحاب من ثلاث إلى خمس مستوطنات.

 

وقالت له رايس إن الولايات المتحدة سوف تثني على أي اعلان كهذا، “ولكنه لن يشكل أي اختراق سياسي، فإذا كنتم ترغبون في خلق واقع مختلف، فينبغي ان يكون الانسحاب من غزة برمتها، وعندئذ سيكون بوسعنا أن نستجيب بصوت عالٍ وبوضح”.

 

ومع كون خارطة الطريق تلفظ أنفاسها الأخيرة الآن، قررت رايس ان انسحاب “اسرائيل” من أي اراض فلسطينية يمثل تقدماً، ولكن العديد من الخبراء اعتقدوا أن شارون سيكتفي بالانسحاب من غزة، التي لا يمكن حكمها، ثم يشدد قبضته على معظم الضفة الغربية، ويملي بصورة جوهرية حدود الكيان الفلسطيني.

 

(وقد حضت الإدارة الأمريكية شارون على الانسحاب ايضاً من مستوطنات في الضفة الغربية لمواجهة ذلك الانتقاد). ويضرب المؤلف مثالاً على ذلك، فيقول إن برينت سكوكروفت، ناصح رايس ومرشدها السابق، كان يعتقد أنَّ بوش “منوّم مغناطيسياً” من قبل شارون، الذي “كان يلبسه مثل الخاتم في اصبعه الصغرى”. وعلى مائدة غداء في نهاية سنة ،2003 خاض سكوكروفت مع رايس ما وصفه بأنه “شجار شرس” حول خطة غزة. قالت له رايس: “على الأقل هنالك بعض الأخبار الطيبة”.

 

ردّ سكوكروفت بفجاجة “تلك أخبار في غاية السوء، فبالنسبة إلى شارون، ليست تلك هي الحركة الأولى، بل هي الحركة الأخيرة، وهو يخرج من غزة لأنه لا يستطيع الحفاظ على ثمانية آلاف مستوطن بتخصيص نصف جيشه لحمايتهم، وبعد ذلك، عندما يخرج، ستكون لديه دولة “اسرائيلية” يستطيع التحكم فيها، ودولة فلسطينية مجزأة إلى ذرات، إلى درجة لا تستطيع معها ان تشكل مشكلة”.

 

ويذكر مؤلف الكتاب، إن الإدارة الأمريكية حاولت ان تتفاوض مع شارون للتوصل إلى شروط تجعل احتمالات تحقق ذلك السيناريو أقلّ. ولكن شارون كان متشدداً، فقد قال فايسجلاس لرايس إن الخطة سيكون من الصعب اقناع الشعب “الاسرائيلي” بها، لأنها كانت من جانب واحد، أي ان الحكومة لا تستطيع ان تشير إلى أي تنازلات من جانب الفلسطينيين، ولذلك فإن “اسرائيل” تريد شيئاً من الولايات المتحدة. وقال لرايس: “في غياب الفلسطينيين، البركة فيكم أنتم”.

 

وفي أوائل سنة 2004 أعطى بوش شارون رسالة متفاوض عليها بعناية، توحي بأن الإدارة الأمريكية تساند موقف “اسرائيل” بشأن الاحتفاظ بالكتل الاستيطانية الكبرى، ورفض حق عودة الفلسطينيين إلى “إسرائيل”، وكل صفقة سلام قادمة ستتضمن هذه العناصر، ولكن بعد نتائج المفاوضات بين الطرفين “ومع تعويض الفلسطينيين مقابل القبول بهاتين النقطتين”. وقد أثارت صفقة بوش مع شارون الغضب الشديد في العالم العربي، وهكذا تضافر الانحياز الأمريكي إلى جانب “إسرائيل”، مع غزو واحتلال العراق، في تقويض مصداقية الولايات المتحدة في المنطقة.

 

وعندما أصبحت رايس وزيرة للخارجية، تبعها الملف “الاسرائيلي” إلى مقر وزارتها، حيث أصبحت القضية الفلسطينية الآن ضمن مسؤوليتها الرسمية.

 

الصفحة الرئيسية
للبحث التفصيلي اضغط هنا
 
 
 
جميع الحقوق محفوظة
لشركة الملف للدراسات و الإعلام المحدودة © 2007