40 شحنة ومواد "كيمياوية".. من كوريا الشمالية إلى سوريا...ممثلة أميركية دفعت 100 ألف دولار واستنسخت كلبتها الميتة..."وأد" للهدنة في الغوطة.. 46 غارة روسية تستهدف أحياءها...جنرال أميركي: روسيا تشعل الحريق في سوريا وتطفئه...4 دول تحذر إيران.. وتدعوها لوقف تسليح الحوثيين...حشود المصلين يتدفقون وهم يبكون إلى كنيسة القيامة في القدس بعد إعادة فتحها...ترامب بحث أنشطة إيران مع محمد بن سلمان ومحمد بن زايد...مجلس الأمن يجتمع للنظر في مدى الالتزام بتنفيذ قرار الهدنة في سوريا...السفير العراقي في موسكو لا يستبعد شراء بلاده منظومات "إس-400"...تركيا تجرد نائبين موالين للأكراد من عضوية البرلمان...فرجينيا: إصابة 11 شخصاً بعد فتح رسالة مشبوهة بقاعدة عسكرية أمريكية... ||  
عدد التعليقات : 0
تاريخ النشر : 28/6/2018
أضف تعليق
أرسل إلى صديق
الموصل بين مشهدين: أنجلينا والبغدادي

رشيد الخيُّون

 


 

زارت الممثلة الأميركية أنجلينا جولي الموصل قبل أسبوعين (16 يونيو 2018)، ولنا تسميتها «المُحسنة»، فمَن لُقبوا بالمحسنين والمُحسنات ليسوا أكثر منها خيراً لضحايا الكوارث. صرحت أمام مشهد الخراب الفظيع: «إنه أسوأ دمار رأيته خلال فترة عملي مع مفوضية شؤون اللاجئين، الناس هنا فقدوا كل شيء، هدمت منازلهم، يعانون الفقر، ولا دواء لأطفالهم.. إنهم محاطون بجثث تحت الأنقاض» (وكالات أنباء).

 

قبل المقابلة بين أنجلينا الممثلة وأبي بكر البغدادي (زعيم «داعش»)، نُذكر عن مسؤولية اجتياح الموصل. نعم، إنهم بضع مئات من مقاتلي «داعش» في سيارات «الجيب»، لكن مَن المسؤول عن هروب الجيش الجرار مِن الموصل؟! وما هي مسؤولية القائد العام للقوات المسلحة، الذي كوفئ بعد الهزيمة النّكراء بمنصب نائب رئيس الجمهورية، ولم يحضر لمساءلة أو استجواب أو توضيح، والدُّعاة حينها من حزبه شبهوا ما حصل بمعركة «أُحد» (3هـ)، ولم يفكروا بفظاعة الفضيحة؟

 

وضع جولي الأَب قدم ابنته على طريق الفن، فنجحت بمشاركته في فيلم سينمائي (1982)، ثم بدأت حياتها ممثلةً محترفةً، حصدت الجوائز ومن بينها «أوسكار»، حتى ذاعت شهرتها في عالم السينما، ومِن ثم فاقت شهرتها التصور في مجال الإنسانية. أصيبت بمرض السرطان وأجرت عمليات كبرى، بعد أن أنجبت ثلاثة أطفال، وأصبحوا سبعة، فالأربعة الآخرون أولادها بالتبني. لم يقف عند تبنيهم أمامها دينٌ أو مذهبٌ أو عرقٌ، وهذه رسالة بليغة للعنصريين والطائفيين مِن بني البشر، ومنطقتنا تأتي في المقدمة، عندما أخذ وجهاء الأديان والطوائف يعاملون الناس على الأسماء، ويقتلونهم على الهويات. تبنت أنجلينا أطفالها الأربعة، مِن كمبوديا وأثيوبيا وسوريا وفيتنام، ولا أظنها بدلت الأسماء التي اختارها آباؤهم، فهذا لا يعنيها.

أصبحت المُحسنة انجلينا الأكثر تأثيراً في حياة المنكوبين، أينما تحل تبتسم الوجوه، رغم غبار الخراب وشبح الموت. تشهد صورها مع المنكوبين على ذلك. اختيرت أنجلينا سفيرة النَّوايا الحسنة لدى مفوضية اللاجئين منذ سبعة عشر عاماً، زارت خلالها نحو عشرين بلداً، أقيمت على أرضها مخيمات للاجئين. كلُّ مصروفات سفرها وما تُقدمه من خير من حسابها الخاص. مليون دولار لضحايا حروب الإسلاميين بأفغانستان، ومثلها لضحايا حرب دار كافور، والصومال وغيرها، وبالجملة قدمت عشرين مليون دولار لمساعدة ضحايا الحروب.

 

أما «إبراهيم عواد البدري»، فأصبح قائداً في تنظيم «القاعدة»، وأميراً لـ«دولة العراق والشَّام الإسلامية»، ثم على رأس «دولة داعش» بعد المبايعة التي أطلقها يوم اجتياح الموصل (10 يونيو 2014) مِن مسجدها الكبير. قالها متشبهاً ومتنطعاً: «أما بعد أيها الناس، فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني»! حصل البغدادي على الشَّهادة الجامعية، ثم الماجستير والدكتوراه، في الدِّراسات القرآنية، وصار خطيباً وإماماً لأحد جوامع ببغداد، خلال «الحملة الإيمانية». ومن إنجازاته: تدبير نحو ثلاثة وعشرين تفجيراً، وتنفيذ هجمات ثأراً لزعيمه بن لادن (2011)، وسلسلة هجمات مثلها ببغداد راح ضحيتها عشرات العراقيين الأبرياء. خلال على الموصل هُتكت أعراض نسائها مِن شتى الأديان، والأيزيديات عُرضن بأسواق النخاسة، وطُبقت حدود «الشريعة» حرفياً.

 

لا أدري كيف أجزت المقابلة بين البغدادي وأنجلينا التي تشبعت بفن التمثيل وانطلقت منه ومِن مرضها إلى ضفاف الإنسانية الرحبة، بينما البغدادي قد تشبع بالأفكار الأصولية، حتى صار خطيباً يهز عصاه بوجوه المصلين مذكِّراً بالقيامة. فهل هذه المقابلة، أو المفارقة الكبرى، تجعل القائمين على المناهج والدراسات الدينية يلتفتوا إلى نتاج مناهجهم وشيوخ تعليمهم؟! أم ستبقى المكابرة وتُحصر المسؤولية بالبغدادي نفسه، لا بتعليمه؟! أقول: هل شعر الذين اعتبروا انتصار البغدادي بالموصل ثورة وتحريراً، بالخجل، مما كانوا يشعرون به، ويؤيدونه بالأقوال والأفعال؟! لقد فتحت أنجلينا بوقوفها على خراب الموصل جُرحاً غائراً في أعماق ذواتنا.

 

أحرجت أنجلينا الأعراف والثقافات الظلامية، والتعاطي بالطائفية تعالياً على الغير، وهي تشم رائحة الأجساد المتعفنة تحت الأنقاض. فأي فظاعة هذه، ومَن يُجيد التعبير عنها، بحرف أو فعلٍ، فالمعاني تهرب من الألفاظ عند التفكير بالكارثة. عندما يصبح انتصار «داعش» على الموصل تحريراً، وعندما توظف هزيمته بنصر طائفي، وهيمنة أخرى، ليس أقل افتراساً منه إذا ما بقي السلاح بيد الوجه الآخر لـ«داعش».

 

لم يستقبل الشعراء أنجلينا، ليس لأنها لا تستحق قصائدهم، ولكنَّ الخراب لم يترك شعراء لمثل هذه المواقف، مثلما استقبلوا أُم كلثوم (ت 1975) ببغداد، وما بين الضيفتين وشيجة الفن. كان ذلك زمان بناء (1932)، وهذا زمان ابتلاء (2018). تخيلوا أن الفارق ستة وثمانون عاماً! وكأن العِراق خلا مِن الشعراء، والكلام يُنسب لعنترة: «هل غادر الشُّعراء مِن مُتَردَّمِ/ أَم هل عَرفتَ الدَّار بعدَ تَوَهم». فمعنى «المُتَرَدَّم»؟! الموضع المستصلح بعد الوهن (الزَّوزني، شرح المعلقات). إنه وهن وخراب البغدادي وإصلاح وإحسان انجلينا.

 

* نقلاً عن "الاتحاد"

 

الصفحة الرئيسية
للبحث التفصيلي اضغط هنا
 
 
 
جميع الحقوق محفوظة
لشركة الملف للدراسات و الإعلام المحدودة © 2007