نزاع بين متشرد وكلب جائع يدفع إيشورايا لإطعام ألف طفل لمدة عام...اعتقال 140 شخصاً من زفاف بالصين في عملية ضد المافيا....تمثال لطفل يثير انتباه زوار معرض بمانهاتن لظنهم أنه حقيقي..الدفاع المدني: ٦٧ اصابة حصيلة حوادث الخميس..ضبط ١١٥ عاملا وافدا مخالفا...عاصي الحلاني يشعل حفله بـ"الموسيقى العربية"...هاني شاكر يطرب جمهوره في "الموسيقى العربية"...ملف حقوق عمال "قطر 2022" يعود على طاولة "فيفا"...إيران.. الحرس الثوري يكثف اعتقالاته لمزدوجي الجنسية...جرحى من الجيش العراقي بانفجار في الأنبار...الناتو يحذر من تزايد العمليات الإرهابية لداعش بأوروبا...بريطانيا توافق على وضع "يوم الخروج" من الاتحاد الأوروبي في قانون...السقف الجديد للصواريخ الإيرانية... خدعة جديدة...المغرب يعزز تعاونه العسكري مع روسيا...التحالف يشن 4 غارات على كلية الطيران غربي صنعاء ||  
عدد التعليقات : 0
تاريخ النشر : 20/10/2013
أضف تعليق
أرسل إلى صديق
التحدي الكردي للهياكل الإقليمية بعد الربيع العربي


الملف - القاهرة

تؤكد الشواهد أن الأكراد يدركون أنهم يشكلون في الدول التي يقطنونها في الشرق الأوسط جماعة متمايزة عنغيرها من الجماعات،كما يفضلون تسمية كرد-ويكتبونها كورد- على مصطلح الأكراد الذي دأب العرب على إطلاقه عليهم. فلفظ الكرد في ذهن الأكراد يضعهم على قدم المساواة مع العرب والفرس.

وفي مطلع 2013، أورد المقال الافتتاحي لجريدة الجارديان البريطانية أن الأكراد قد يكونون الفائز الأكبر من الانتفاضات العربية والحرب الدائرة في سوريا(1). وفي أبريل من العام ذاته،رأي مسعود البارزاني، رئيس إقليم كردستان العراق، أن الظروف قد باتت مواتية لعقد مؤتمر قومي كردي تشارك فيه القوي الكردية بكل من العراق،وسوريا،وإيران،وتركيا،وأكد أن القرن الحادي والعشرين هو قرن الشعب الكردي(2).

 

هناك من يرى أن الكردي أضحي أمام حالة من استعادة الوعي القومي،والإحساس بقدرته على التأثير والتغيير عبر فرصة تاريخية قد لا تتكرر لنيل ما يراها حقوقه، في ظل السياقات الاستراتيجية الجديدة التي تشكلت بالمنطقة،وجملة التحديات المتصاعدة أمام النظم السياسية العربية(3). ويحذر محللون أتراك من أن الحديث عن كردستان الكبري لم يعد أمرا بعيد المنال،في ظل إعادة التشكيل الحالي للجغرافيا السياسية بالشرق الأوسط،مما يشكل تحديا للدول الأربع التي يقطنها الأكراد(4).

 

أخذا في الحسبان تلك التطورات،وفي ظل التوترات التي تشهدها العلاقة بين بغداد وأربيل-عاصمة إقليم كردستان العراق- والصراع الدائر في سوريا،تطرح الدراسة تساؤلين رئيسيين،أولهما: كيف أثر هذا الحراك الشعبي العربي خلال العامين ونصف العام الماضيين في الوعي الإثني لأكراد العراق وسوريا؟ آخرهما: كيف انعكس هذا التأثير على مطالب الأكراد وسلوكهم إزاء الجماعات الأخرى بالدولتين؟. تقتضي الإجابة على التساؤلين السابقين الإجابة على مجموعة التساؤلات الفرعية التالية:

 

- كيف أثرت الأوضاع الإقليمية في مطالب الاحتجاجات الشعبية بالعراق؟

 

- كيف انعكست التقاطعات الإثنية والطائفية بين العراق وسوريا على مواقف الفاعلين السياسيين بالعراق من الأوضاع في سوريا؟

 

- كيف تعامل القادة الأكراد مع الفرص والتحديات التي فرضتها السياقات الإقليمية والدولية؟

 

وستركز الدراسة بالقدر الأكبر على أكراد العراق لما حققوه من مكاسب كالحكم الذاتي،والاعتراف بقوات البشمركة كقوات مسلحة شرعية لحماية الإقليم،مما جعل الإقليم"مركزا محوريا لمجمل السياسات الكردية"(5)،إن جاز التعبير. أما أكراد سوريا،فسيتم تناولهم في سياق العلاقة بين أكراد العراق وأقرانهم في المحيط الإقليمي،أي في سوريا،وتركيا،وإيران.

 

بداية، يلزم توضيح أنه لا تتوافر إحصاءات دقيقة عن إجمالي عدد الأكراد أو تعدادهم في كل دولة يعيشون فيها. تتراوح التقديرات الإجمالية ما بين 25و 45 مليون نسمة،وبعض الأدبيات الكردية تصنفهم كرابع أكبر"إثنية" في الشرق الأوسط بعد كل من العرب،والإيرانيين،والأتراك(6). وتعد الديموجرافيا الإثنية مسألة محورية في العراق. ففي الوقت الذي يقطن العرب فيه الأجزاء الوسطي والجنوبية من الدولة،يتركز الأكراد وبعض التركمان والآشوريين في الجزء الشمالي الشرقي من البلاد. ويمثل العرب نحو80٪من إجمالي السكان،بينما يمثل الأكراد ما بين15و20٪،ويصل عددهم إلي نحو5 ملايين(7). وفي سوريا،يعيشون بمناطق متفرقة بشمال البلاد،ويصل عددهم إلي نحو مليوني نسمة. وفي تركيا،حيث يعيش العدد الأكبر من الأكراد،تصل بعض التقديرات لنحو 20 مليون نسمة يتركزون شرق البلاد. وفي إيران،تقدر أعدادهم بنحو 8 ملايين نسمة(8).

 

أولا- أكراد العراق والبيئة الداخلية:

 

لم يخل التحالف الشيعي- الكردي في العراق من التجاذبات السياسية،في ظل سعي كل طرف لمزيد من المكاسب،واعتراض البارزاني على سياسة المالكي الساعية للهيمنة على مقاليد السلطة. ورغم ما منحته الانتفاضات العربية لقادة كردستان من فرص للضغط على المالكي،فإنها أيضا شكلت تحديا لمواجهة مطالبات شعبية متزايدة بالإصلاح في الإقليم.

 

1- التحالف الشيعي- الكردي والخلاف مع المالكي:

 

لعب التنسيق بين الأكراد والمعارضة الشيعية دورا بارزا في إسقاط نظام صدام، وذلك على الرغم من الاختلاف المذهبي،حيث إنغالبية الأكراد هم سنة،لكن الطابع العلماني للقادة الأكراد،وتوافق المصالح السياسية لعبا الدور الأكبر في التفاهم بين الطرفين. واستمر ذلك التعاون في ظل الاحتلال الأمريكي للعراق عبر هيمنة الطرفين على الحياة السياسية بالعراق،وكتابة دستور رأي فيه العرب السنة أنه صيغكما لو كان عقدا بين المنتصرين لتوزيع المكاسب،وليس عقدا اجتماعيا بين مكونات العراق.

 

حينما اندلعت التوترات الطائفية بين السنة والشيعة،عقب التدخل الأمريكي في العراق،نأي الأكراد بأنفسهم عنها،وصب ساستهم جل اهتمامهم على الدفاع عن المطالب الكردية(9). شملت هذه المطالب إسهامات كبري في الحكومة العراقية،ومزيدا من سلطات الحكم الذاتي السياسية والاقتصادية،خاصة ما يتعلق بالسيطرة على النفط والموارد الأخرى بالإقليم. واتخذت العلاقة بين الشيعة والأكراد حالات من الشد والجذب. وكانت الخلافات ما بين بغداد وأربيل تحدث من آن لآخر،وعادة ما تتعلق بالعقود النفطية التي تبرمها كردستان بعيدا عن سلطة المركز،أو الخلاف حول السيطرة الأمنية على بعض المناطق المتنازع عليها.

 

ومع اندلاع الثورة السورية، دعم المالكي حلا سياسيا للأزمة،وحذر من انهيار نظام الأسد،وعواقب ذلك على العراق ولبنان، فيما تصاعدت الاتهامات الأمريكية للحكومة العراقية بسماحها بوصول مساعدات إيرانية للأسد عبر الأجواء العراقية. في ظل هذه الظروف،شكل المالكي"قيادة عمليات دجلة" لمواجهة-بحسب الحكومة العراقية- هجمات الجيش الحر(المعارضة السورية) على الحدود الشمالية العراقية، وتوجهت القوات العراقية كذلك لمناطق متنازع عليها تحت ادعاء حفظ الأمن بهذه المناطق(10). لكن التحركات عُدت بالأساس موجهة لإقليم كردستان،في ظل سياسة المالكي التي يرى المراقبون أنها تعمل على تهميش سلطات الأطراف،وتجميعها لدي المركز(11). لكن الأهم أن ذلك التحرك كان يعني منع وصول أية إمدادات من كردستان العراق إلي المقاتلين الأكراد في سوريا.

 

وفي ضوء سياسة التصعيد من الجانبين، رفض المالكي إدخال موازنة البشمركة ضمن الموازنة الاتحادية لعام2013،بحسبانها خارج منظومة الدفاع العراقية. وفي المقابل،وصف وكيل وزارة البشمركة مطالبة المالكي بإخضاع البشمركة للحكومة الفيدرالية بأنه وهم(12). كما انتهج الأكراد خلال الأزمة نهج الندية التامة في التعامل مع المركز،والرد على التصعيد بتصعيد مقابل،حيث كان يتم تعبئة مزيد من قوات البشمركة وتوجيهها صوب المناطق المتنازع عليها. وامتدت حرب التصريحات والتسريبات لمستوى القيادات. ففي الوقت الذي نسب فيه إلي المالكي قوله إنه يتمني لو قطع إصبعه ندما على قبول الفيدرالية، أشيع عن البارزاني تمنيه لو قطع إصبعه ندما على التحالف الكردي- الشيعي(13). لكن البارزاني كان مدركا لتلاعب المالكي بمشاعر القومية العربية،فحرص على أن يصف المواجهات بأنها خلاف سياسي،وليست مواجهة إثنية أو قومية،فصرح قائلا: "لا نرفع السلاح بوجه إخوتنا العرب،فإشهار السلاح ليس من شيم الكردي"(14).

 

لكن مع اندلاع الاحتجاجات الشعبية في المناطق السنية في أواخر عام2012ومطلع2013ضد سياسات المالكي،وفشل محاولات السيطرة عليها،زادت الضغوط على المالكي،وسعي للتهدئة مع الأكراد. فقد صرح قيادي كردي في فبراير2013بأن المرجعية الشيعية بالنجف طالبت المالكي بعدم التفريط في التحالف الشيعي- الكردي،وضغطت لتقديمه تنازلات مثل إلغاء قيادة عمليات دجلة،وإعادة مطار كركوك العسكري إلي مجلس إدارة المحافظة لتحويله لمطار مدني، وإعادة فتح ممثلية حكومة كردستان في بغداد،بعد أن أغلقت خلال الأزمة بين الطرفين. عاد المالكي مرة أخرى للعنف في23أبريل2013،عندما هاجمت قوات الأمن العراقية اعتصاما في بلدة الحويجة بمدينة كركوك،فقتل50شخصا،وجرح أكثر من110أشخاص تحت ادعاء رفض المتظاهرين تسليم الأسلحة،وأشخاص متهمين بالهجوم على نقطة تفتيش تابعة للجيش.

 

مرة أخرى،يتم الإعلان عن مشاورات ستجري بين قيادات بغداد وأربيل،ثم الكشف عن أن جلسة مجلس الوزراء في9يونيو2013ستعقد في أربيل. استبق كل طرف هذه المشاورات برسائل تصعيدية،ربما لخفض سقف مطالب الطرف الآخر، فقد صرح البارزاني بأن المفاوضات مع بغداد هي فرصة أخيرة سيدفع فشلها إلي البحث عن شكل آخر للعلاقة. ورد المالكي بأنه لا يوجد ما يسمي حق تقرير المصير. عكس كل تصريح نمطا مألوفا للقائدين. فالبارزاني كثيرا ما سعي لحشد التأييد الداخلي في الإقليم وراء مقاومة هيمنة المالكي،واللعب بمشاعر القومية الكردية المتنامية. والمالكي كان يعتمد أحيانا في سعيه للتقارب مع السنة على إثارة المخاوف من المطالب الاستقلالية للأكراد،مظهرا نفسه بالمدافع عن الحقوق العربية. وبالفعل،وصل المالكي في الموعد المحدد،واستقبله مسعود البارزاني،ورئيس حكومة الإقليم نيجيرفان البارزاني.

 

عقب اللقاء، تعهد بالمالكي بالتهدئة مع كردستان،وأعلن البارزاني الاتفاق على حل المشكلات وديا،والاحتكام للدستور. ولا يمكن النظر لهذه التصريحات بمعزل عن أوضاع العراق داخليا،وما يحيط به إقليميا. فالمالكي بحاجة إلي التهدئة للتفرغ للتعامل مع الاحتجاجات المتزايدة على سياساته،والضغوط التي فرضتها أوضاع سوريا. والبارزاني يسعي أيضا إلي إنهاء مسألة الاستفتاء على دستور كردستان،بما يتيح له الترشح لولاية ثالثة للإقليم.

 

أما التصريحات المقتضبة لصالح المطلك،نائب المالكي،فقد طالبت بانسحاب قوات البشمركة الإضافية التي أرسلت للمناطق المتنازع عليها،كما رفضت دعوات تهجير أو طرد العرب بكركوك. تعكس هذه التصريحات مخاوف العرب السنة بالعراق من تنامي قوة البشمركة،خاصة خارح حدود كردستان،وما يترتب على رحيل العرب من المناطق المتنازع عليها من تغيير ديمواجرفيتها بشكل ينعكس على نتائج أي استفتاء يجري لتقرير مصيرها.

 

2- احتجاجات العراق والانتفاضات العربية:

 

جاء الربيع العربي ليصنع ظرفا تاريخيا،وتحديا مهما لغالبية الدول العربية،ومنها العراق،الذي نظر قادة كل مكون من مكوناته إلي هذا الظرف من منظوره الخاص. فالشيعة يرون أن ربيع العراق تحقق بسقوط صدام،وبداية عهد جديد تكون لهم الغلبة فيه. والأكراد يرون أن ربيع العراق-أو ما يسمونه الربيع الكردي- كان سابقا على الربيع العربي،حيث ظهرت تباشيره مع اندلاع انتفاضة الأكراد ضد صدام في عام1991،واكتمل بسقوط صدام،وتمكين الأكراد من إقليمهم، وإن كان بعضهم يرى أن الطريق لايزال مفتوحا للحصول على مزيد من المكاسب،وربما تحقيق دولة الأكراد. أما السنة،فالربيع العربي أتاح لهم الثورة-في الأنبار وغيرها- على سياسات المالكي التهميشية،وانتقائيته في التعامل مع البعثيين،وإخضاع قانون اجتثاث البعث لأهوائه.

 

وفيما بدا تأثرا واضحا بالحراك الشعبي في بعض الدول العربية،والذي كسر حاجز الخوف لدي الجماهير،نظم شباب عراقي في محافظات الوسط والجنوب-عبر وسائل التواصل الاجتماعي- في25فبراير2011مظاهرات طالبوا فيها بتحسين الخدمات،والقضاء على البطالة،وإطلاق سراح المعتقلين،ومحاسبة الفاسدين. ورغم قمع حكومة بغداد لهذه التظاهرات،فإنها كانت لها دلالتها،نظرا لوقوع العراقيين تحت وطأة القمع لعقود طويلةغابت عنها ثقافة التظاهر،واستعان فيها المتظاهرون ببعض مصطلحات الربيع العربي مثل جمعة الغضب،وإطلاق أسماء رمزية على الساحات،مثل ساحة العزة،وساحة الكرامة.

 

كما تجلت تأثيرات الربيع العربي في أكراد العراق وتركيا. اللافت للنظر كذلك أن التظاهر لم يقتصر على السنة العرب في محافظاتهم. ففي فبراير ومارس2011،اجتاحت السليمانية بكردستان المسيرات المطالبة بالإصلاح السياسي،ومحاربة الفساد،وتحسين الخدمات العامة. وكان من بين هتافات المتظاهرين: "هذا هو ميدان التحرير،هل تتذكرون مبارك؟". قدرت أعداد المتظاهرين بما يزيد على ثلاثة آلاف شخص، ووقعت صدامات مع قوات الأمن،وكانت المحصلة ثلاثة قتلي،وأكثر من100مصاب. تزامنت هذه المظاهرات مع الذكري العشرين لانتفاضة الأكراد ضد صدام حسين. ورغم مجئ هذه المظاهرات الكردية في سياق إقليمي مطالب بالتغيير السياسي،فإن اللافت للنظر أنها جاءت بعد أيام من خطاب وجهه زعيم حزب العمال الكردستاني،عبدالله أوجالان،لأنصاره في14فبراير.2011

 

طالب أوجالان الأكراد بالنزول للشارع في المدن الكردية للمطالبة بحقوقهم وحرياتهم،وجاءت استجابة أكراد تركيا عبر حملة عصيان مدني في جنوب شرق تركيا للمطالبة بمزيد من الحقوق والحريات.

 

كما عادت الاحتجاجات من جديد في المناطق السنية بالعراق،ولكن بشكل أكثر حدة في نهاية عام2012ومطلع.2013سعت حكومة بغداد لعدة تكتيكات لاحتواء المظاهرات،مثل إطلاق سراح معتقلين، وصرف معاشات تقاعدية لمن عملوا في النظام السابق. لكنها سعت من ناحية أخرى إلي حشد تعبئة مضادة عبر اتهام المتظاهرين بالعمالة لتركيا ودول الخليج،أو أنهم إرهابيون وطائفيون ينتمون للنظام السابق.

 

ثانيا- الأكراد وفرص وتحديات البيئة الإقليمية:

 

تكشف تطورات العقد الأخير،منذ سقوط صدام حسين في العراق، عن أن الحسابات الإقليمية لا تزال تمثل،كما كانت عبر عقود طويلة سابقة، محددا لحدود حركة أكراد سوريا أو تركيا أو إيران. ويبرز ذلك عند تحليل التفاعلات الكردية بالقوي الإقليمية الأخرى خلال العامين ونصف العام الأخيرين، وهو ما سنتناوله في الجزء التالي من الورقة.

 

1- تركيا وكردستان العراق:

 

أضاف الغزو الأمريكي للعراق،والدور المتنامي لأكراد العراق أبعادا جديدة لعلاقة تركيا بكردستان العراق. فمع رفض البرلمان التركي السماح للقوات الأمريكية باستخدام الأراضي التركية لمهاجمة العراق في عام2003،تعاظمت الأهمية الاستراتيجية للدعم الكردي للقوات الأمريكية،لكن ذلك لم يمنع تركيا من عرضها المساعدة بقوات لحفظ السلام،عقب سقوط نظام صدام. لكن هذا العرض رفضه مجلس الحكم الانتقالي آنذاك لمعارضته أية مشاركة لدول الجوار في العملية الأمنية بالعراق،لما ينطوي عليه ذلك من احتمال تفضيل جماعة على أخرى.

 

تجلت براجماتية الأكراد في فترة ما بعد صدام في علاقة كردستان بتركيا،فقد حاول قادة كردستان تحسين علاقتهم بتركيا دون استثارة مشاعر الأكراد القومية. وكان من بين مظاهر تطور العلاقة مع تركيا دعوة مسعود البارزاني لحضور أعمال المؤتمر الرابع لحزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا في أكتوبر2012،وألقي خلالها البارزاني كلمة شكر فيها رجب طيب أردوغان لشجاعته بذهابه لديار بكر للدعوة لحل مشكلة الأكراد،ومجيئه لأربيل في عام2011،معلنا أن إنكار وجود الأكراد الأتراك قد ولي(15). وحينما وقعت الاستخبارات التركية اتفاقا للسلام مع عبدالله أوجالان،زعيم حزب العمال الكردستاني،كانت الوجهة الأولي لمقاتلي الحزب في تركيا هي معسكراتهم بشمال العراق. ورغم اعتراض لجنة الأمن والدفاع بالبرلمان العراقي على دخول المسلحين،فإن نوابا أكرادا رحبوا به،معتبرين إياه بداية الحل السلمي للقضية الكردية بتركيا(16).

 

تأتي هذه البراجماتية فعليا من الطرفين. فكردستان بحاجة إلي تركيا في مشروعات البنية التحتية،وصناعة النفط. ومن جانبها، وجدت تركيا فرصا متميزة للاستثمار في العراق عموما،وفي كردستان بوجه خاص. وعلى الرغم من توتر العلاقات أحيانا بين بغداد وأنقرة،على خلفية المشروعات النفطية مع كردستان،أو لمواقف أنقرة،من قضايا وأزمات مثل استقبال تركيا لطارق الهاشمي، النائب السابق لرئيس جمهورية العراق،عقب خلافه مع المالكي، أو انتقادها الدائم لممارسات نظام بشار الأسد تجاه شعبه،فإن كل ذلك لم يمنع من أن تكون تركيا- كما يصفها تقرير الواشنطن بوست- الفائز الاقتصادي من حرب العراق. فقد بلغحجم الصادرات التركية للعراق10.8مليار دولار في عام2012،وكان نصيب كردستان منها نحو70٪(17).

 

2- الأكراد والصراع في سوريا:

 

دفع التشابه بين سوريا والعراق توماس فريدمان إلي أن يعنون إحدي مقالاته بنيويورك تايمز"سوريا هي العراق". يرجع فريدمان ذلك لعوامل،منها تعدد الطوائف الدينية في البلدين،وخبرة القمع التي مارسها حزب البعث فيهما ضد المواطنين(18). كما أن للاتحاد الوطني الكردستاني علاقات تاريخية مع سوريا،حيث أعلن الحزب إنشاءه من هناك، كما تمتع بعلاقات جيدة مع إيران جعلت منه طرفا في محور طهران- بغداد الجديد في ظل حكومة المالكي(19).

 

سعت دمشق في فترات خلافاتها مع تركيا إلي إيواء حزب العمال الكردستاني،ووفرت مأوي لقائده عبدالله أوجالان،لكن تركيا في عام1998صعدت من لهجتها حيال دمشق،وحشدت قواتها على الحدود مع سوريا،مهددة إياها بالحرب. وبالفعل،ارتدعت سوريا،فطردت زعيم الحزب من أراضيها،ووقعت مع تركيا بروتوكول أضنة الذي اتفقتا فيه على التعاون في مواجهة حزب العمال الكردستاني. وفي العام التالي،نجحت تركيا في القبض على أوجالان في كينيا بمساعدة أمريكية(20).

 

لكن ظل حزب العمال الكردستاني معروفا بعلاقاته الوطيدة مع أكراد سوريا الذين شكلوا- حسب بعض التقديرات- ثلث قوات الحزب التي اتخذت من جبال قنديل في شمال العراق ملاذا لها، كما أعفي نظام الأسد الشباب الذين انضموا لحزب العمال من الخدمة العسكرية. لكن الأوضاع الجديدة بسوريا منحت هذه القوات الفرصة للتمركز شمال سوريا. وعندما اندلعت المعارك في دمشق وحلب في صيف2012،وانسحبت قوات الأسد من بعض المناطق الكردية،سيطر عليها مقاتلو حزب الاتحاد الديمقراطي(الكردي السوري). هذا الأخير رغم حداثة إنشائه في عام2003،فإنه يعد الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني.

 

أما عن العلاقات السورية- العراقية،خلال الحرب في سوريا،فلم يكن الاتهام الأمريكي للحكومة العراقية بسماحها للطيران الإيراني باستخدام المجال الجوي العراقي لدعم الأسد هو الاتهام الوحيد. فإلي جانب بعض المسلحين الإيرانيين،ومقاتلي حزب الله الموالين للأسد،تحدثت تقارير عن وجود ميليشيات شيعية عراقية مدعومة إيرانيا(21). ففي عام2012،تشكل لواء شيعي مسلح تحت اسم أبي الفضل العباسي بدعوي حماية مرقد السيدة زينب في ريف دمشق. ضم اللواء مقاتلين من جنسيات عراقية،ولبنانية،وإيرانية.وفي7يونيو2013،أعلن الجيش الحر عن أسر عدد من عناصره.

 

حرص ساسة كردستان العراق،خاصة مسعود البارزاني،على توجيه رسائل طمأنة لتركيا بين الحين والآخر،تؤكد عدم التدخل في شئون دول الجوار عبر الورقة الكردية. ففيما يمكن حسبانه ردا على اتهامات للبارزاني بتحريضه لأكراد سوريا على أن يطالبوا بنظام فيدرالي مقارب لكردستان العراق،كشرط للمشاركة في الثورة ضد نظام بشار الأسد(22)،صرح البارزاني بأن: "كل جزء من أجزاء كردستان له خصوصية، ولهذا السبب تختلف طريقة حل الأوضاع لكل جزء، وعلى كل جزء أن يدرك الواقع السائد في الجزء الذي يعيش فيه الأكراد. لذا،فنحن لا نستطيع أن نصدر النموذج الذي لدينا في العراق إلي سوريا أو إلي أي جزء آخر". لكن يلاحظ أنه استخدم مصطلح كردستان على إطلاقه. ورغم نفيه وجود برنامج لاتحاد إقليم كردستان العراق،وكردستان سوريا،فإنه استدرك قائلا: "لكن من يدري ماذا سيحدث في المستقبل؟،وإنه حق طبيعي لكل أمة أن تتوحد،لكن ذلك يتحقق سلميا،وعن طريق الحوار"(23).

 

لكن الواقع يبرهن على أن المسألة ليست بهذا التبسيط، فقد ساعدت حكومة كردستان العراق الأحزاب الكردية السورية الستة عشر في تأسيس المجلس الوطني الكردي،وأسهم ضباط من البشمركة في تدريب قوات كردية،خاصة من شباب الأكراد الذين فروا من صفوف الجيش السوري كلاجئين إلي مخيم دوميز بشمال العراق، وذلك للعب دور في سوريا ما بعد الأسد(24). ذلك الدعم لم تنكره القيادة الكردية. ففي سؤال لمسعود البارزاني عما إذا كانوا يدربون أكراد سوريا،أجاب بأنه تم تدريب بعض شباب اللاجئين بغرض الدفاع،وحماية المناطق الكردية في سوريا،حال حصول أي فراغأمني(25).

 

وعلى الرغم من تشرذم أكراد سوريا،فإنهم شكلوا بمعاونة البارزاني مجلسا وطنيا كرديا ضم16حزبا،وشكل المجلس مع حزب الاتحاد الديمقراطي(الكردي- السوري) الهيئة الكردية العليا لكردستان. وفي أبريل2013،التقي البارزاني ممثلي الأحزاب الكردية السورية،ونقلت صحيفة عراقية أنهم طالبوا البارزاني بأن"يشرف على إنهاء مشاكلهم،ويعمل على درء المخاطر التي تهدد كردستان سوريا". ومن جانبه،طالبهم البارزاني بإنهاء الخلافات،ووعدهم"بأن إقليم كردستان سيقف في جميع الأحوال مع إخوته الكرد فيغرب كردستان"(26).

 

لكن في الوقت الذي لعب فيه أكراد العراق دورا محوريا في معارضة نظام صدام،والتعاون مع الولايات المتحدة لإسقاطه،ظل أكراد سوريا مشتتين مترقبين طويلا ما تسفر عنه المواجهات المسلحة بين نظام الأسد والمعارضة السورية.

 

يبرز مدى تحين أكراد سوريا الفرصة لجني المكاسب في تصريح بهجت بشير،ممثل الحزب الديمقراطي الكردي السوري في أربيل: "إنها فرصة ذهبية تتوافر لنا، ويجب أن نستعد لها لأنها قلما ستتوافر. كثيرة هي السيناريوهات الممكن تصورها في سوريا.لكن حتي في أسوأ الأحوال،سوف يكون الأكراد هم الرابحين،لأنهم سيصبحون على الأقل أسيادا في مناطقهم"(27).

 

التشرذم الكردي في سوريا كان أحيانا يعني أن السلاح قد يستخدم ضد بعضهم بعضا، مثلما هاجمت قوات تابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي متظاهرين من أنصار المجلس الوطني الكردي في عفرين في فبراير.2012وعلى الرغم من توقيع اتفاق عدم اعتداء بين المجلس والحزب في الشهر ذاته،فإنهما لاحقا تبادلا اتهامات بالاختطاف،والضلوع في اغتيال شخصيات كردية.

 

كما دارت أحيانا اشتباكات بين مقاتلين أكراد وعناصر مسلحة عربية،مثل تلك التي شهدتها رأس العين في نوفمبر2012،ولم يتم احترام وقف إطلاق النار،وتجددت المواجهات في يناير2013.وسعيا لتحييد الأكراد السوريين،اتفق سكان عندان،كبري مدن حلب الثائرة على نظام بشار،مع جيرانهم الأكراد على عدم التدخل في الصراع،والتزام الحياد،لكن الأسبوع الأول من يونيو2013شهد مواجهات بين مقاتلي الجيش الحر من جهة،ومسلحين شيعة من جهة أخرى،واتُهم الأكراد بتأمين انسحاب المقاتلين الشيعة. لكن المواجهات السابقة كانت مع محسوبين على الفصائل الإسلامية بالجيش الحر، وعادة ما تعلن التيارات الإسلامية بسوريا معارضتها الحكم الذاتي للأكراد. ففي مناطق أخرى بحلب أيضا،أعلن الأكراد أن تعاونهم مع من سموهم بالفصائل المعتدلة في قوات المعارضة جاء ردا على هجمات للجيش السوري.

 

هذه الهجمات أرجعها رئيس حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي لاتفاقيات الحياد التي تم إبرامها مع المعارضة. لكن الساسة الأكراد السوريين يتهمون المعارضة السورية بتجاهل حقوق الأكراد،والسعي للسيطرة على الشمال الشرقي المنتج للنفط،حيث يتركز الأكراد. في المقابل،يرى العرب أن مطالب الأكراد التي كانت قبل الحرب تدور حول تحسين أوضاعهم،ومنحهم الجنسية،والتمتع بحقوق المواطنة،تتصاعد إلي اعتراف دستوري بالشعب الكردي كقومية رئيسية في سوريا،والحديث عن حكم ذاتي في مناطق تركزهم.

 

ويطرح جمال باروت عدة ملاحظات على أداء أحزاب الحركة الوطنية الكردية بسوريا، منها أولا:غياب الرؤية الواضحة والمتكاملة،والذي انعكس في تقديم مطالبهم على مراحل،مما أعطي انطباعا بالانتهازية أو الابتزاز. ثانيا:الانسحابات المتكررة للأكراد من لقاءات المعارضة،حتي أضحي سلوكا كرديا معتادا أثر في طبيعة النظرة للقضية الكردية. ثالثا:إلقاء اللوم في حالة فشل أي حوار مع المعارضة على المعارضة،لكونها صاحبة عقلية قومية متطرفة،دون أن تدرك أن الاتهام ذاته يمكن توجيهه للحركة الكردية(28). ويتفق حازم صاغية مع الملاحظة الأخيرة لباروت،حيث يطالب عرب سوريا بمراعاة خصوصية الكيانات الأهلية الأصغر،كما يدعو أكراد سوريا إلي السعي إلي واجباتهم الوطنية،كما يسعون إلي حقوقهم، وإلا فإن النهاية ستبدو كلوحة فيها عربي يتصور أنه يقاتل انفصالية الأكراد،وكردي يرى أنه يحارب عمالة العرب لتركيا(29).

 

3- إيران والقضية الكردية:

 

قليلة هي المعلومات المتوافرة عن أكراد إيران،في ظل التعتيم الإيراني حول أوضاعهم. ورغم النشاط الملحوظ للحركة الكردية في إيران في أربعينيات القرن العشرين،فقد كان إعلان قاضي محمد في24يناير عام1946قيام جمهورية مهاباد على الأراضي الإيرانية نقطة تحول مهمة في تاريخ الأكراد. ورغم قصر عمر الجمهورية،فإنها أنشأت مؤسسات،ونشرت ثقافة الأكراد عبر كردستان(30). وعندما اختار إقليم كردستان العراق علما له،اختار ذلك العلم الذي رفعته جمهورية مهاباد،والذي يشبه لحد كبير العلم الإيراني بألوانه: الأحمر،والأبيض،والأخضر،يتوسطها قرص الشمس الذهبي(31).

 

كان تدهور العلاقات بين إيران والعراق،في ظل البعث،يصاحبه عادة دعم كل طرف لمعارضي الطرف الآخر،حيث دعم العراق مجاهدي خلق،ودعمت إيران أكراد العراق. وفي تسعينيات القرن العشرين،كما سعي أكراد العراق لعدم استثارة الغضب التركي،فالأمر لم يختلف كثيرا مع إيران،فقد تغير وضع الأكراد الإيرانيين المقيمين بكردستان العراقية عام1991،ومنعت السلطات الكردية الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني من شن هجمات على إيران(32).

 

لكن رغم تصريحات البارزاني المتكررة بعدم التدخل في شئون الآخرين،فإنها لا تنفي ما تناقلته مصادر صحفية كردية عن سعي كردي لإعادة توحيد الحزبين الكرديين الكبيرين بإيران: الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيرانيKDPI،وحزب كردستان الديمقراطيDPK ،وهي المحاولات التي بدأت بوساطة فرنسية،ممثلة في قنصل فرنسا بأربيل في8أغسطس2012،ثم اجتماع الحزبين بمقر الاتحاد الوطني الكردستاني بالسليمانية.

 

عندما توترت العلاقات الأمريكية- التركية،نتيجة رفض تركيا استخدام أراضيها لاجتياح العراق،سعت إيران للتقارب مع تركيا عبر تبادل المعلومات الاستخباراتية حول حزب العمال الكردستاني،بل ومهاجمة قواعده. فسعي الحزب للانتقام، كما تأسس حزب الاتحاد الديمقراطي(الكردي- السوري) في عام2003كفرع سوري، كما ظهر في العام ذاته الفرع الإيراني،وهو حزب الحياة الحرة الكردستاني الذي أخذ في مهاجمة إيران من قواعد تمركز حزب العمال بجبال شمال العراق(32). لكن تغير الأوضاع الاستراتيجية في المنطقة،واندلاع القتال في سوريا،ودعم تركيا للمعارضة السورية،دفع إيران مجددا لدعم حزب العمال الكردستاني الذي عاد لشن هجماته على تركيا في صيف2011.

 

ثالثا- الأكراد والسياق الدولي:

 

انتهز الأكراد والشيعة بالعراق الفرصة للتمرد عقب هزيمة الجيش العراقي في عام.1991ورغم أن الولايات المتحدة لم تتدخل عسكريا لدعم تمرد الأكراد والشيعة،فإن هذا العام شهد دعما أمريكيا واضحا للمعارضة العراقية عبر وسائل الإعلام والدبلوماسية. وفي العام نفسه،صدر قرار مجلس الأمن رقم688،الذي فرض لأول مرة منطقة حظر جوي على نظام صدام حسين،مما وفر للأكراد ملاذا آمنا.

 

كان الغزو الأمريكي للعراق في أبريل2003إيذانا بمرحلة جديدة ظهر فيها الشيعة والأكراد كأصحاب النصيب الأكبر من المكاسب السياسية،حيث منح الشيعة رئاسة الوزراء في نظام حكم برلماني،يلعب فيه رئيس الوزراء الدور الرئيسي في إدارة شئون الدولة. أما الأكراد،فشكلوا حكومة إقليمية لكردستان،في ظل فيدرالية أتاحت للأكراد إدارة شئون إقليمهم،واختير جلال طالباني رئيسا للعراق،وهوشيار زيباري وزيرا للخارجية، وأضحي الأكراد عنصرا أساسيا في الحكومات العراقية.

 

كانت التوترات التي تشهدها العلاقة بين المالكي والبارزاني يصاحبها عادة تصريحات كردية،يتم التلميح فيها بإمكانية الانفصال عن العراق. غير أنه كانت تخرج تسريبات صحفية حول مطالبة الولايات المتحدة وتركيا للبارزاني بالتهدئة،وأن كلتا الدولتين لن تدعم أية مساع لتأسيس دولة كردية مستقلة. فصحيح أن كردستان العراق استطاعت أن تؤسس لنفسها شبكة من العلاقات الخارجية، ونجحت حكومة الإقليم في فتح قنصليات وممثليات لسبع وعشرين دولة في إقليم كردستان،وتطورت علاقات الإقليم بالولايات المتحدة وتركيا،لكن لا يمكن تصور قبول أي منهما لقيام دولة كردية مستقلة.

 

فتركيا تتابع بقلق ما يحدث على حدودها مع سوريا،في ظل تنامي النفوذ الكردي في هذه المناطق. هذا القلق انتقل من الصحافة التركية لصحف ووكالات أنباء دولية،فجاء عنوان إحدي مقالات وول ستريت جورنال"تركيا تقول إنها ستعمل على إيقاف الحكم الكردي في سوريا"(33)،ونشرت رويترز مقالا بعنوان"تحركات أكراد سوريا تدق نواقيس الخطر في تركيا"(34).

 

فتركيا تتفاوض مع أكرادها،لكنها-وكذلك إيران- لن تسمحا بدولة كردية على حدودهما،وليس تعاونها الاقتصادي مع كردستان العراق سوي لمصلحة يحققها للطرفين،ويمنح تركيا سبيلا لموازنة الدور الإيراني بالعراق. أما الولايات المتحدة،فلن تضحي بعلاقات استراتيجية مع تركيا من أجل دولة كردية لن تلقي قبولا من جيرانها المحتملين.

 

خاتمة:

 

عاني الأكراد الاضطهاد بالفعل في عصور سابقة،وقد يكون من الإنصاف أن يتاح لهم تسيير شئون أقاليمهم في الدول التي ينتمون إليها. لكنهم في التجربة العراقية أسهموا في تهميش العرب السنة عبر التحالف مع المالكي الذي تنكر لحلفائه فيما بعد. كما بدا في أوقات تدهور العلاقة مع المالكي أن سعيهم للتقارب مع السنة،أو مع أطراف شيعية أخرى ما كان إلا لتوجيه رسالة للمالكي للضغط عليه لقبول شروطهم،إذا ما أراد استمرار التحالف.

 

ولا يشعر عرب العراق عموما بالارتياح حيال المناوشات التي تحدث بين الحين والآخر بين الجيش العراقي وقوات البشمركة الكردية،في ظل تنامي قوة البشمركة،وتقديرات أعدادها التي زادت على200ألف مقاتل،وهو ما يفوق حجم الجيش العراقي. هذه القوات لا تخضع لقيادة الجيش،ويخشي من أن تجعلها أجندتها الخاصة قوات شبيهة بقوات حزب الله في لبنان.

 

كما أن سلوك الأكراد حيال قضية المناطق المتنازع عليها،وحديث بعض دوائر الإعلام الكردي عنها كأراض محتلة، أو توصيف ساسة الأكراد لها بالأراضي الكردستانية خارج إقليم كردستان، أو القول بعدم قبول مناقشة هويتها الكردية،كلها أمور تعد استباقا للحل السياسي،حتي ذلك المستند إلي المادة140من الدستور العراقي التي تنص على إجراء استفتاء داخل هذه المناطق لتحديد مصيرها،وهي المادة التي يطالب الأكراد بتطبيقها،ويرى العرب السنة أنها من مواد الدستور التي صيغت لتعكس مصالح الأكراد.

 

كذلك الحديث من آن لآخر عن إمكانية الانفصال عن العراق،إذا ما أصبح مكانا لا يستطيعون العيش فيه. فرغم أنه ينقل الرسالة المطلوبة للحلفاء الشيعة،فإنه أيضا يزيد من قلق العرب السنة إزاء النيات الانفصالية للأكراد،ويرونه نوعا من الابتزاز يمارسه الأكراد ضد المركز. ذلك الابتزاز يستشعره العرب أيضا عندما تتزايد مطالب أكراد سوريا مطلبا تلو الآخر،دون مراعاة للظرف التاريخي،أو عندما يتم ربط مشاركتهم أو حيادهم بشروط لا يقبلون التفاوض حولها. هذا السلوك الكردي ربما يمكن تفهمه،في ضوء مخاوف الأكراد من أن دعم تركيا للمجلس الوطني السوري يعني ضمنيا عدم الاستجابة للمطالب الكردية.

 

بالإضافة للقيود الدولية،فإنه يصعب الحديث عن دولة كردية موحدة تجمع الأكراد،في ظل حالة الانقسام التي يعيشها الأكراد،سواء كان داخليا أو إقليميا. فانقسامات أكراد سوريا واضحة. وفي العراق،ورغم الاتفاق الظاهر بين الحزبين الكرديين الكبيرين،فإن الخلافات بينهما تخرج للسطح أحيانا،عندما تتوتر العلاقات،كما حدث في قضايا مثل مسودة دستور كردستان،أو هيمنة حزب البارزاني على دائرة العلاقات الخارجية.

 

كما لا يخلو الأمر من تنافس حول من يتحدث باسم الأكراد إقليميا،فالبارزاني يسعي لجعل أربيل هي مفتاح الحل،والمتحدث الرسمي لأكراد المنطقة،في حين يرى حزب العمال الكردستاني أنه الأقوي والأجدر بتحمل هذه المسئولية،أو يمكنه القيام بدور مماثل لأربيل.

 

أخيرا يمكن القول إنه على المدى القصير،ربما يحقق الأكراد داخل العراق وسوريا وتركيا بعض المكاسب السياسية والاقتصادية التي ستقدمها هذه الدول،في ظل الضغوط الداخلية التي تتعرض لها حاليا الأنظمة في تلك الدول،وسعيها إلي تجنب فتح جبهات مواجهة داخلية جديدة،وكي تمنح لنفسها الوقت اللازم للتعامل مع تحديات أخرى. ولكنها لن تسمح بدولة مستقلة لهؤلاء الأكراد،سواء داخلها أو عبر اتحاد إقليمي،ولن تتعامل مع الأكراد كقضية إقليمية واحدة تعبر حدود هذه الدول. لكن ذلك لن يمنع قادة أكراد العراق وتركيا من استمرار الروابط مع أقرانهم في سوريا وإيران. أما أكراد إيران،فسيظل وضعهم الأكثرغموضا،في ظل حالة التعتيم الإيرانية التي تفرضها على قضيتهم،وعدم ظهور أية بوادر حكومية لتحسين أوضاعهم.

 

الصفحة الرئيسية
للبحث التفصيلي اضغط هنا
 
 
 
جميع الحقوق محفوظة
لشركة الملف للدراسات و الإعلام المحدودة © 2007